الأحد، 06 أبريل 2025

11:49 ص

ترامب يُعيد تشكيل السياسة التجارية الأميركية، حرب تعريفات أم إعادة توازن؟

السبت، 05 أبريل 2025 05:08 م

الرئيس الأميركي دونالد ترامب

الرئيس الأميركي دونالد ترامب

كتب/كريم قنديل

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليتصدر عناوين الأخبار مجددًا، ليس بتغريدة نارية أو تصريحٍ مثير، بل بخطوة تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، بفرض تعريفات جمركية بنسب ضخمة على العديد من الدول أبرزها الصين، ومنها الدول العربية في تصعيد جديد لما بات يُعرف بـالحرب التجارية الكبرى، ولم يأخر الرد الصيني، وجاء برسوم مقابلة تصل إلى 34%، لتعود أجواء التصعيد والتوتر، إلى الأسواق العالمية.

لكن هذه الخطوة، ليست حدثًا معزولًا، بل جزءًا من نهج متكامل يتبعه ترامب منذ ولايته الأولى، قائمًا على فلسفة اقتصادية يمكن تسميتها بـ"ترامبونوميكس"، حيث تُستخدم الرسوم الجمركية، كسلاحٍ اقتصاديٍ لتحقيق ثلاثة أهداف دفعة واحدة وهي:- (زيادة الإيرادات، حماية الصناعة المحلية، والضغط على الشركاء التجاريين لتحقيق المعاملة بالمثل).

ترامب

من أدوات الاستقرار إلى أدوات الضغط

ولطالما كانت الرسوم الجمركية أداة تقليدية في يد الدولة الأميركية، منذ أول قانون تعرفة في عام 1789م، وحتى الحقبة الحديثة، لكن ترامب لم يلتزم بالقواعد التقليدية للعبة، فقد استخدم التعريفات بشكل غير مسبوق، من حيث النطاق والنية.

كذلك، لم تقتصر إجراءاته على قطاع معين أو صناعة استراتيجية، بل طالت كافة الشركاء التجاريين تقريبًا، من الصين إلى كندا والمكسيك، مرورًا بالاتحاد الأوروبي، وحتى دول البريكس، والتي يهددها الآن إن تخلّت عن الدولار.

وفي هذا السياق، يختلف ترامب عن أسلافه لأنه يدمج بين الأهداف الثلاثة في وقت واحد، وهو ما يعتبر اقتصاديًا “تناقضًا بنيويًا”، فزيادة الرسوم، قد تقلل من حجم الواردات، ما يخفض الإيرادات بدلًا من زيادتها، كما أن الحماية المفرطة، قد ترفع الأسعار على المستهلك المحلي، وتضر بالاقتصاد نفسه.

الرسوم كأداة سيادية

ترامب، الذي يبدو أنه لا يعير كثيرًا من الاهتمام للمؤسسات التجارية الدولية، مثل منظمة التجارة العالمية، يرى في التعريفات الجمركية، وسيلة لاستعادة السيادة الاقتصادية كما يقول، وفي آخر تصريحاته، أكد أنه سيعلن قريبًا عن رسومٍ جديدةٍ على واردات منخفضة التكلفة من الصين، في خطوة وصفها بأنها ضرورية لحماية الاقتصاد الأميركي وتقليص العجز.

وفي الوقت الذي تم فيه تعليق الرسوم على كندا والمكسيك مؤقتًا، تظل التهديدات قائمة، لتُبقي الدول المجاورة في حالة ترقّب دائم، فنهج ترامب لا يقوم فقط على الفعل، بل على التلويح به أيضًا، وهو ما يترك الأسواق العالمية في حالة من عدم اليقين.

بين الماضي والحاضر.. ما الذي تغيّر؟

تاريخيًا، اعتمدت الولايات المتحدة على الرسوم الجمركية كمصدر رئيسي للإيرادات، حتى أوائل القرن العشرين، قبل أن تتحول إلى ضرائب الدخل، وخلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، قادت أميركا العالم، نحو اتفاقيات التجارة الحرة والتعريفات المنخفضة، أما اليوم، فإنها تعود بقيادة ترامب إلى مربع الحمائية، وكأنها تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

دونالد ترامب

 

هل يعود هذا التوجه بالنفع على الاقتصاد الأميركي؟

وتشير الدراسات إلى أن التعريفات قد تخلق بعض الوظائف في الصناعات المستهدفة مثل الصلب والألومنيوم، لكنها تؤدي في المقابل إلى رفع أسعار السلع، وتقليل قدرة الشركات على المنافسة، وتراجع الصادرات الأميركية بسبب الإجراءات الانتقامية من الدول الأخرى.

وقبل تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه، كانت الولايات المتحدة تتبع سياسات تجارية تميل نحو تحرير التجارة، مع فرض تعريفات جمركية منخفضة نسبيًا على الواردات، خاصةً من الشركاء التجاريين الرئيسيين مثل كندا والمكسيك، وذلك في إطار اتفاقيات مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA).

ومع بداية إدارة ترامب في عام 2017م، شهدت السياسة التجارية الأمريكية تحولًا نحو الحمائية، في عامي 2018م و2019م، فرضت الإدارة تعريفات جمركية على آلاف المنتجات بقيمة تقارب 380 مليار دولار، مستندة إلى قوانين مثل قانون التوسع التجاري لعام 1962م، وقانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية.

ترامب والولاية الثانية

 

ترامب والولاية الثانية

في الولاية الثانية للرئيس ترامب، تصاعدت هذه السياسات بشكل ملحوظ، ففي الـ2 من إبريل 2025م، أعلن ترامب عن فرض تعريفات جمركية بنسبة 10% على جميع الواردات، مع نسب أعلى تصل إلى 54% على بعض الشركاء التجاريين، مثل الصين، كما تم فرض تعريفات بنسبة 25% على واردات الصلب والألمنيوم، و25% على السيارات المستوردة.

وأدت هذه الإجراءات، إلى توترات تجارية عالمية، حيث فرضت دولًا مثل الصين تعريفات انتقامية على المنتجات الزراعية الأمريكية، ما أثر سلبًا على المزارعين الأمريكيين، كما شهدت الأسواق المالية تراجعًا حادًا نتيجة لهذه السياسات 

بالمقارنة مع الفترات السابقة، مثل فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات، يُلاحظ أن التعريفات الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب، وصلت إلى مستويات لم تشهدها الولايات المتحدة منذ ذلك الحين، ما أثار مخاوفًا من تأثيرات اقتصادية سلبية مشابهة.

وبناءًا على ذلك، يمكن القول إن السياسات الجمركية الأمريكية، شهدت تحولًا جذريًا خلال إدارة الرئيس ترامب، منتقلة من نهج تحرير التجارة إلى سياسات حمائية مشددة، ما أثر بشكل كبير على الاقتصاد الأمريكي والعلاقات التجارية الدولية.

الاقتصاد الأميركي

 

بين المكاسب والارتدادات

ترامب لا يخوض معركة تجارية فقط، بل يخوض حربًا رمزية لاستعادة ما يراه هيبة أميركا الاقتصادية، لكن الواقع الاقتصادي لا يُقاس بالشعارات وحدها، فالأسواق لا تنتظر الخطابات، بل تحلل الأرقام، وتخشى الغموض.

وإذا كانت تعريفات ترامب تمثل سعيًا لإعادة التوازن في ميزان التجارة، فإنها قد تنتهي إذا لم تُدار بعناية إلى الإضرار بالاقتصاد العالمي، وبالداخل الأميركي على حدٍ سواءٍ.

وفي اقتصاد معولم، لم تعد الجدران الجمركية تحمي كما في الماضي، بل قد تعزل وتُضعف وتزيد الانقسام، ويبقى السؤال: هل يُكتب لترامب أن ينجح في إعادة تشكيل التجارة العالمية، أم سيتحول إلى مُحفّزٍ لأكبرِ أزمة تجارية في العصر الحديث؟

Short Url

search