الأحد، 06 أبريل 2025

05:01 م

الفرصة تأتي من واشنطن: هل تصبح مصر مصنع العالم بعد رسوم ترامب الجمركية؟

الجمعة، 04 أبريل 2025 03:20 م

رسوم ترامب الجمركية

رسوم ترامب الجمركية

تحليل/كريم قنديل

في خطوة مفاجئة أعادت رسم خريطة التجارة العالمية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 10% على الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة، ضمن حزمة تعريفات جمركية شملت أكثر من 180 دولة.

وجاءت هذه الخطوة تحت شعار "يوم التحرير التجاري"، الذي اعتبره ترامب انتصارًا للمنتج الأمريكي في معركته الطويلة ضد العجز التجاري المتضخم.

رسوم ترامب الجمركية

وبالرغم من أن مصر جاءت ضمن الدول الأقل تضررًا من تلك الحزمة مقارنة بدول عربية أخرى مثل الجزائر وليبيا وسوريا، إلا أن القرار أثار جدلًا واسعًا حول مصير الصادرات المصرية، خاصة في قطاع الملابس الجاهزة الذي يُعد حجر الأساس للعلاقات التجارية بين القاهرة وواشنطن.

 

مصر.. بين المطرقة الأمريكية وسندان التنافسية

تشير الأرقام الرسمية إلى أن التبادل التجاري بين مصر والولايات المتحدة ارتفع بشكل كبير خلال عام 2024 ليصل إلى نحو 9.8 مليار دولار، مقارنة بـ7.1 مليار في عام 2023، بمعدل نمو بلغ 37%.
 

ومع أن الولايات المتحدة لا تُعد الشريك التجاري الأكبر لمصر، إلا أن تأثير قراراتها لا يُستهان به، خاصة في ظل اعتماد عدد من القطاعات الحيوية على السوق الأمريكي كمنفذ رئيسي.
 

وتُعد الملابس الجاهزة الرافعة الأكبر لصادرات مصر إلى الولايات المتحدة، حيث سجّلت صادرات القطاع نحو 1.2 مليار دولار خلال 2024، أي ما يقرب من نصف إجمالي الصادرات المصرية إلى السوق الأمريكية.

والأكثر دلالة أن هذه الصادرات ارتفعت بنسبة 22% خلال أول شهرين فقط من 2025، ما يُبرز مدى حساسية هذا القطاع لأي تغييرات في الرسوم الجمركية أو السياسات التجارية.

لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ ففرض رسوم بنسبة 10% حتى وإن كانت الأدنى ضمن جدول ترامب، يشكل تحديًا مباشرًا لقدرة المنتجات المصرية على المنافسة داخل السوق الأمريكية، لا سيما في ظل ارتفاع تكلفة الإنتاج عالميًا، ووجود منافسين تقليديين لمصر مثل الصين، وبنجلاديش، وفيتنام.

لوحة الرسوم الجمركية

رسوم جمركية أمريكية تصاعدية.. ومصر بين الدول الأقل تأثرًا

شملت الإجراءات فرض تعريفات مرتفعة على عدد من الدول العربية، حيث بلغت 41% على سوريا، و31% على ليبيا، و30% على الجزائر، و28% على تونس، و20% على الأردن، بينما جاءت مصر ضمن الفئة الأدنى بنسبة 10% فقط، ما يضعها في موقع نسبي أقل ضررًا مقارنة بجيرانها.

التبادل التجاري بين مصر وأمريكا.. أرقام تكشف الخلل

في عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والولايات المتحدة نحو 8.6 مليار دولار، من بينها 2.5 مليار دولار صادرات مصرية، بزيادة سنوية قدرها 6.7%

في المقابل، ارتفعت الواردات الأمريكية إلى مصر بنسبة كبيرة وصلت إلى 36%، لتسجل 6.1 مليار دولار، وهو ما أدى إلى عجز تجاري لصالح الولايات المتحدة بقيمة 3.5 مليار دولار، بنمو سنوي لافت بلغت نسبته 69.4%.

الصادرات المصرية

الملابس تتصدر.. والقطاعات المتأثرة تتسع

جاءت الملابس الجاهزة والإكسسوارات في صدارة الصادرات المصرية إلى السوق الأمريكية، بقيمة تجاوزت 1.2 مليار دولار، ما يجعل هذا القطاع الأشد تأثرًا بالرسوم الجمركية الجديدة.

وتوزعت باقي الصادرات على قطاعات متعددة، من بينها: الأسمدة 175.6 مليون دولار، الحديد والصلب 169.8 مليون دولار، الخضروات والفواكه المُعلبة 139.9 مليون دولار، السجاد والسجاد 138.9 مليون دولار، الفواكه والمكسرات 114.5 مليون دولار.


وبلغت صادرات مصر إلى أمريكا من المواد المحجرية مثل الكبريت والأسمنت والجبس 103.4 مليون دولار، كما شملت الصادرات البلاستيك 75.5 مليون دولار، الزجاج ومصنوعاته 67.3 مليون دولار، والخضروات الطازجة 59.7 مليون دولار.

تُظهر هذه الأرقام حجم التداخل الاقتصادي بين البلدين، وتسلّط الضوء على ضرورة إعادة تقييم السياسات التصديرية المصرية لمواجهة تأثير الرسوم الجديدة، خصوصًا في ظل تراجع القدرة التنافسية لبعض المنتجات بالسوق الأمريكي.

اتفاقية الكويز

الكويز.. هل ينجو من مقصلة ترامب؟

اتفاقية الكويز، التي أُبرمت عام 2004 بين مصر وأمريكا وإسرائيل، وفّرت لمصر نافذة ذهبية للتصدير إلى أمريكا بدون جمارك، بشرط أن تحتوي المنتجات على نسبة من المكوّنات الإسرائيلية (حاليًا 10.5%)، وقد مثّلت هذه الاتفاقية نقطة انطلاق للعديد من مصانع الملابس المصرية نحو الأسواق الأمريكية.

غير أن الغموض يكتنف مصير الاتفاقية في ظل القرارات الجديدة، ففي الوقت الذي لم تصدر فيه الولايات المتحدة توضيحًا رسميًا بشأن شمول اتفاقية الكويز بتلك الرسوم، كشف مصدر بوزارة التجارة والصناعة المصرية أن الرسوم تنطبق أيضًا على المنتجات المُصدرة ضمن الاتفاقية، ما يُهدد الامتيازات التي بنت عليها مئات الشركات استراتيجيتها التصديرية.

هذا التباين دفع المجلس التصديري للملابس إلى مخاطبة الجهات المعنية للحصول على تأكيد رسمي، لما قد يكون له من أثر كبير على مستقبل القطاع بأكمله، خاصة أن أكثر من 95% من صادرات الكويز تأتي من قطاع الملابس.

تهديد أم فرصة؟ قراءة مختلفة للواقع

ورغم الصورة القاتمة التي ترسمها الأرقام والسياسات، فإن بعض الخبراء يرون في قرار ترامب فرصة ذهبية لمصر، لكن بشرط أن تحسن استغلالها.

إن نسبة 10% تُعد أقل بكثير من النسب التي فرضتها الولايات المتحدة على منافسي مصر في قطاع الملابس، مثل الصين 34%، وبنجلاديش 37%، وفيتنام 46%، وبهذا، تظل مصر في موقع تنافسي مميز نسبيًا، قد يدفع بعض الشركات العالمية لإعادة النظر في مواقع إنتاجها، وربما التوجه للاستثمار في السوق المصري.

لكن هذا السيناريو يتطلب تحركًا سريعًا من الدولة والقطاع الخاص معًا، لتقليل تكاليف الإنتاج، وزيادة الاعتماد على المدخلات المحلية بدلًا من المستوردة، وتعزيز كفاءة سلاسل التوريد، ما يُمكّن المنتجات المصرية من المحافظة على جودتها وسعرها التنافسي رغم الرسوم المفروضة.

الاقتصاد المصري

الاقتصاد المصري بين الاستقرار والمرونة

من جهة أخرى، يرى محللون أن تأثير الرسوم الجمركية على الاقتصاد المصري الكلي سيكون محدودًا، خاصة أن الولايات المتحدة لا تمثل سوى نحو 10% من إجمالي الصادرات المصرية، بحسب بيانات شعبة الغزل والنسيج، إلا أن ذلك لا يعني تجاهل التأثير المباشر على بعض القطاعات الحساسة مثل الحديد والصلب، والمنسوجات، والملابس، والتي تعتمد في جزء كبير منها على السوق الأمريكي.

ويُطالب بعض المسؤولين، مثل رئيس شعبة الغزل والنسيج، بتكثيف الجهود لاستكشاف أسواق بديلة، لا سيما في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا الشرقية، في محاولة لتقليل الاعتماد المفرط على السوق الأمريكي.

رسائل للسياسة التجارية المصرية

تكشف هذه الأزمة عن حاجة ملحة لتحديث الاستراتيجية التجارية لمصر، بحيث تصبح أكثر تنوعًا ومرونة في مواجهة القرارات المفاجئة من الشركاء التجاريين، ويبدو أن الأزمة الحالية تحمل درسًا مهمًا، مفاده أن الاعتماد على اتفاقيات طويلة الأمد مثل الكويز لا يجب أن يُغني عن تعزيز القدرة الذاتية على التصدير بأسعار تنافسية، بعيدًا عن الامتيازات الجمركية المؤقتة.

كما يجب إعادة النظر في دعم سلاسل القيمة المحلية، وتطوير البنية التحتية الصناعية، وتحسين مناخ الأعمال، لخلق بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية في قطاعات الإنتاج والتصدير.

الصادرات المصرية

مصر.. الوجهة القادمة لصناعات العالم؟

في ظل التصعيد الأمريكي ضد عدد من الاقتصادات الكبرى بفرض رسوم جمركية مرتفعة، باتت مصر تلوّح كوجهة بديلة وأكثر جاذبية للاستثمار، خاصة في قطاع الملابس الجاهزة، فرض واشنطن رسومًا وصلت إلى 46% على واردات فيتنام، و37% على منتجات بنجلاديش، و34% على الصين، يجعل من الرسوم المفروضة على مصر والبالغة 10% فقط، بمثابة نقطة الضوء وسط عتمة السياسات الحمائية، هذا الفارق الكبير قد يعيد رسم خريطة الإنتاج في العالم، ويضع مصر على رأس الخيارات البديلة أمام شركات كبرى تبحث عن الحفاظ على تنافسية أسعارها داخل السوق الأمريكي.

فرصة ذهبية للمصانع العالمية

الاختلال الجديد في كفة الرسوم الجمركية يفتح الباب أمام مصر لتكون قاعدة تصنيع إقليمية لصناعات النسيج والملابس، فبفضل موقعها الاستراتيجي، واتفاقية الكويز التي تتيح دخول المنتجات المصرية إلى أمريكا بدون جمارك (حال استمرار العمل بها)، تمتلك مصر عناصر جذب يصعب تجاهلها، من المتوقع أن تبدأ بعض الشركات المتضررة من ارتفاع الرسوم في دول مثل بنجلاديش وفيتنام، بالنظر إلى السوق المصري كملاذ آمن يمكن من خلاله الحفاظ على تواجدها في الولايات المتحدة بأسعار تنافسية.

الاستثمار في مصر

الاستثمار في مصر.. من خيار إلى ضرورة

مع تزايد الضغوط على الشركات العالمية جرّاء السياسات التجارية الأمريكية، لم تعد مصر مجرد خيار مطروح، بل قد تتحول إلى ضرورة اقتصادية، البيئة التصنيعية المصرية، التي شهدت تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، قد تصبح التربة الخصبة التي تنقل عبرها كبرى الشركات عملياتها أو جزءًا منها لتجاوز الرسوم المفروضة على بلدانها الأصلية، وإذا أحسنت الحكومة المصرية استغلال اللحظة، عبر تيسير إجراءات الاستثمار وخفض تكاليف الإنتاج، فقد تتحول الأزمة إلى فرصة تاريخية لصعود مصر كمركز صناعي عالمي يخدم الأسواق الغربية.

هل تُغيّر الأزمة قواعد اللعبة؟

فرض ترامب لرسوم جمركية بنسبة 10% على الصادرات المصرية إلى بلاده، وإن بدا كقرار سلبي في ظاهره، قد يحمل بين طياته فرصة استراتيجية نادرة لمصر، فمع ارتفاع الرسوم على منافسيها، ومع الاحتفاظ بنسبة معتدلة من التعريفات، تبقى مصر مؤهلة للعب دور أكبر في السوق الأمريكية، إذا ما أُحسن استغلال هذه اللحظة.

لكن النجاح في هذه المعركة يتطلب من الدولة المصرية أن تكون سريعة، ذكية، ومبنية على بيانات دقيقة، وإلا ستفقد فرصة قد لا تتكرر في ظل عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشكل فيه التحالفات التجارية كل يوم.

Short Url

search