الخميس، 03 أبريل 2025

04:31 م

«قياس النمو الاقتصادي» هل حان الوقت لإعادة النظر في الناتج المحلي الإجمالي؟

الأربعاء، 02 أبريل 2025 07:03 م

النمو الاقتصادي

النمو الاقتصادي

تحليل/ عبد الرحمن عيسى

يعد الناتج المحلي الإجمالي (GDP) أحد أبرز مؤشرات الأداء الاقتصادي لأي دولة، ولكنه يظل عرضة للانتقادات فيما يتعلق بقدرته على قياس رفاهية الأفراد وتحقيق حياة أفضل لهم. 

يعتقد العديد من الخبراء الاقتصاديين، بمن فيهم الحائز على جائزة نوبل سيمون كوزنتس، أن إدراج الإنفاق الحكومي ضمن حسابات الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن يشوه الصورة الحقيقية للاقتصاد. 

هذا الجدل حول فاعلية هذه الطريقة في القياس يتجدد بين الحين والآخر، خاصة مع تزايد الإنفاق الحكومي، كما هو الحال في الولايات المتحدة.

Picture background

النشوء التاريخي لنظام حسابات الناتج المحلي الإجمالي

تم تطوير مقياس الناتج المحلي الإجمالي في الأربعينيات من قبل وزارة التجارة الأمريكية بهدف قياس النشاط الاقتصادي الوطني. 

خلال تلك الفترة، أصر كوزنتس على استبعاد الإنفاق الحكومي من الحسابات، حيث اعتبر أنه يُضيف قيمة وهمية إلى الناتج المحلي الإجمالي ولا يعكس بالضرورة تحسن رفاهية المواطنين. 

وعلى الرغم من معارضة كوزنتس، فإن وزارة التجارة استمرت في إدراج الإنفاق الحكومي ضمن الحسابات، مما أثر على الدقة في قياس النشاط الاقتصادي.

الإنفاق الحكومي وتأثيره على النمو الاقتصادي

إن مفهوم "الإنفاق الحكومي" يعد أحد أكثر العناصر إثارة للجدل عند قياس الناتج المحلي الإجمالي، ويشمل هذا الإنفاق جميع النفقات الحكومية، مثل دفع رواتب الموظفين الحكوميين، تمويل المشاريع العامة، والمساعدات الاجتماعية. 

يعتبر البعض أن هذا الإنفاق يمكن أن يساهم في تحفيز النمو الاقتصادي، بينما يرى آخرون أن إضافة هذا الإنفاق إلى الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن يعكس صورة مشوهة للنمو الحقيقي. 

وفقًا لكوزنتس، يُعد هذا النوع من الإنفاق، بما في ذلك التحويلات المالية من الحكومة إلى الأفراد، غير قادر على تحسين رفاهية الأفراد بشكل حقيقي.

على الرغم من ذلك، لا يزال الإنفاق الحكومي يُعتبر عنصرًا أساسيًا في حسابات الناتج المحلي الإجمالي، فعندما تُدرج مدفوعات التحويلات، مثل الضمان الاجتماعي أو المساعدات المالية للمواطنين، في الحسابات، يتم حسابها ضمن الإنفاق المحلي، وهذا يؤثر بشكل كبير على المؤشر النهائي. 

وفي المقابل، يمكن قياس النشاط الاقتصادي الأساسي باستخدام مقياس آخر مثل "المبيعات النهائية للمشترين المحليين"، الذي يستبعد تأثير التجارة الدولية، ويعد مؤشرًا أكثر دقة للنشاط الاقتصادي الفعلي.

Picture background

المشاكل مع حسابات الناتج المحلي الإجمالي في ظل النمو الحكومي

إذا حاولنا فصل الإنفاق الحكومي بشكل كامل عن الناتج المحلي الإجمالي، سنواجه عدة تحديات، فمعظم الإنفاق الحكومي لا يساهم مباشرة في الاستهلاك أو الاستثمار، بل يتخذ شكل مدفوعات تحويلية، وهو ما يجعل من الصعب قياسه بشكل دقيق دون التأثير على الدقة الكلية للنظام الحسابي. 

على سبيل المثال، عندما تقوم الحكومة بجمع الأموال من المواطنين من خلال الضرائب، ثم تعيد توزيعها على فئات أخرى، لا يُعد ذلك نموًا اقتصاديًا حقيقيًا، بل مجرد إعادة توزيع للثروات. 

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد هذا الإنفاق من حسابات الناتج المحلي الإجمالي دون التأثير على الصورة الكلية للاقتصاد.

التغيرات في طريقة حساب الناتج المحلي الإجمالي

في الآونة الأخيرة، بدأت بعض الأصوات تطالب بتوضيح البيانات المتعلقة بالإنفاق الحكومي عند حساب الناتج المحلي الإجمالي. 

وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك أشار إلى أن الحكومات قد تلاعبت بالمؤشرات عبر احتساب الإنفاق الحكومي، وهذا جعل الصورة الاقتصادية تبدو أكبر مما هي عليه فعلًا، ولكن هذا التغيير قد لا يؤدي إلى تحول جوهري في مقياس الناتج المحلي الإجمالي، بل سيزيد من الشفافية فقط.

من جانب آخر، يعكس انخفاض تقديرات الناتج المحلي الإجمالي بسبب التغيرات في طرق الحساب، مثل التعديل في طريقة حساب التجارة والصادرات، التحديات المرتبطة بقياس الاقتصاد في ظل السياسات الاقتصادية المعتمدة في الولايات المتحدة. 

عندما يرتفع العجز التجاري، ويزداد استيراد السلع بسبب السياسات الجمركية، يتأثر الناتج المحلي الإجمالي بطريقة قد لا تعكس الوضع الاقتصادي بشكل دقيق.

Picture background

الدين الفيدرالي والنمو الاقتصادي

أحد العوامل الأساسية التي تؤثر في النمو الاقتصادي هو الدين الحكومي. منذ الثمانينيات، ارتفعت نسبة الدين الفيدرالي إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير. 

هذا النمو في الدين الحكومي يعكس توسعًا في حجم الإنفاق، مما يضع ضغوطًا على قدرة الحكومة على تمويل مشاريعها بشكل مستدام. 

عند ربط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالنمو في الدين الحكومي، نجد أن هناك فجوة كبيرة بدأت في الثمانينيات ولم تُسد بشكل كامل إلا في أواخر التسعينيات، ورغم هذه الفجوة، استمر النمو الاقتصادي في الاعتماد على التوسع في الدين الفيدرالي بشكل متزايد.

من الجدير بالذكر أن تأثير الدين الحكومي على الناتج المحلي الإجمالي ليس بالضرورة مقياسًا دقيقًا للنمو المستدام. ولكن استمراره في التزايد يثير قلقًا بشأن استدامة الاقتصاد على المدى الطويل.

هل يجب استبعاد الإنفاق الحكومي؟

في حين أن الكثير من الخبراء الاقتصاديين يرون أن استبعاد الإنفاق الحكومي من حسابات الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن يعكس صورة أكثر دقة عن الاقتصاد، فإن هذا النهج قد يكون صعب التطبيق على أرض الواقع. 

كما إن الإنفاق الحكومي، بما في ذلك المدفوعات التحويلية، يُعد جزءًا أساسيًا من النظام الاقتصادي، ولا يمكن فصله بسهولة دون التأثير على حسابات الناتج المحلي الإجمالي بشكل كامل.

ختامًا: يظل الجدل قائمًا حول ما إذا كان يجب إدراج الإنفاق الحكومي ضمن الناتج المحلي الإجمالي، لكن المؤكد هو أن هذا العنصر يخلق تحديات في قياس النشاط الاقتصادي الحقيقي. 

ورغم الانتقادات التي تواجه حسابات الناتج المحلي الإجمالي، يظل هذا المقياس هو الأداة الأكثر استخدامًا لتقييم النشاط الاقتصادي، بالرغم من وجود مقاييس بديلة قد تقدم صورة أدق.
 

Short Url

search