«أمريكا والتضخم» هل تنجح سياسات الفيدرالي في السيطرة على الأسعار؟
الأربعاء، 02 أبريل 2025 11:09 ص

أمريكا
تحليل/ عبد الرحمن عيسى
يشهد الاقتصاد الأمريكي تحديات متعددة في مواجهة التضخم المستمر، حيث تجاوز مؤشر التضخم الأساسي في يناير 2025 نسبة 3.3% مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ أبريل 2023.
هذه الزيادة في التضخم تشير إلى صعوبة في استقرار الأسعار، وهو أمر يشكل تحديًا كبيرًا للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي يسعى جاهدًا للسيطرة على الوضع دون التأثير السلبي العميق على النمو الاقتصادي.
هذا التحليل يستعرض الوضع الحالي للتضخم في الولايات المتحدة، الأسباب المحتملة له، وتناقش الخيارات المتاحة أمام الفيدرالي للسيطرة عليه دون اللجوء إلى تدابير قد تؤدي إلى صدمة اقتصادية.

العوامل المؤثرة في التضخم الأمريكي
ترتفع معدلات التضخم في الولايات المتحدة بسبب عدة عوامل، بما في ذلك الزيادة في تكاليف الإنتاج جراء فرض الرسوم الجمركية على بعض الشركاء التجاريين الرئيسيين مثل الصين والمكسيك وكندا.
مع فرض التعريفات الجمركية، ارتفعت تكاليف المواد الخام بشكل ملحوظ، ما ساهم في رفع أسعار المنتجات النهائية للمستهلكين.
علاوة على ذلك، شهدت العديد من السلع الأساسية مثل الفواكه والخضراوات والبيض والسيارات زيادات حادة في الأسعار.
يمكن أن يُعزى هذا التضخم إلى المزيج الحالي من قيود سلاسل التوريد، وتوترات الحرب التجارية، بالإضافة إلى زيادة تكلفة الشحن والطاقة.
تأثير الرسوم الجمركية على الاقتصاد الأمريكي
تستمر سياسة الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في التأثير على الاقتصاد الأمريكي.
فرض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة يزيد من تكاليف الإنتاج للمصنعين والمستوردين على حد سواء، وينعكس ذلك في زيادة أسعار المنتجات التي يتم استيرادها، وهو ما يؤثر بدوره على الأسعار التي يدفعها المستهلك الأمريكي.
على الرغم من أن هذه السياسات تهدف إلى تحسين الوضع التجاري للولايات المتحدة، فإنها تزيد من التضخم وتثقل كاهل المستهلكين المحليين.
خيارات الاحتياطي الفيدرالي لمكافحة التضخم
في هذا السياق، يواجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قرارًا صعبًا، حيث يسعى لموازنة هدفه في السيطرة على التضخم دون التأثير سلبًا على الاقتصاد بشكل عام.
إذا اتبع الاحتياطي الفيدرالي نهجًا مشابهًا لسياسة "فولكر" التي شهدتها السبعينات من القرن الماضي، والتي تضمنت رفع أسعار الفائدة بشكل حاد لمكافحة التضخم، فقد يواجه الاقتصاد الأمريكي صدمة اقتصادية جديدة.
ففي تلك الحقبة كانت مستويات الدين أقل بكثير من الناتج المحلي الإجمالي، مما أتاح للبنك المركزي رفع أسعار الفائدة دون التأثير الكبير على استقرار النظام المالي.

مقارنة بين الأوضاع الاقتصادية في فترة فولكر والوقت الحالي
مقارنة مع فترة فولكر، يُظهر الوضع الحالي في الولايات المتحدة تباينًا كبيرًا في العديد من الجوانب، ففي السبعينات كان الدين العام الأمريكي يشكل حوالي 33% من الناتج المحلي الإجمالي، مما جعل رفع أسعار الفائدة أمرًا ممكنًا دون التأثير الكبير على التوازن المالي.
أما اليوم، فإن الدين العام قد تجاوز الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعل رفع أسعار الفائدة أكثر تعقيدًا، ومن جهة أخرى، كانت أسواق المال في السبعينات أقل ترابطًا مع بعضها البعض، في حين أن الأسواق المالية اليوم أكثر تطورًا وترابطًا، مما يعني أن رفع الفائدة بشكل مفاجئ قد يؤدي إلى تداعيات غير متوقعة على الأسواق الناشئة وعلى السيولة الدولية.
التحديات الحالية أمام السياسات النقدية الأمريكية
أدى ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب الرسوم الجمركية إلى زيادة الطلب على المواد الخام المستوردة، وهو ما يعكس الضغط المستمر على سلاسل التوريد.
كما إن الأزمات التجارية العالمية تؤثر على القدرة الإنتاجية للولايات المتحدة، ما يعوق القدرة على السيطرة الفعالة على التضخم.
ومع استمرار تزايد التوترات التجارية، قد يصعب على الفيدرالي تنفيذ سياسة نقدية فعّالة للحد من التضخم دون التأثير السلبي على النمو الاقتصادي.
الخيارات الممكنة لمواجهة التضخم دون صدمة اقتصادية
على الرغم من الضغوط المترتبة على التضخم، لا يعد رفع أسعار الفائدة بشكل مفاجئ أو مفرط خيارًا واقعيًا في ظل الدين العام المرتفع والمخاطر المتزايدة على الاقتصاد العالمي.
بدلًا من ذلك، يمكن أن يتبع الفيدرالي نهجًا تدريجيًا في رفع أسعار الفائدة لتجنب تأثيرات سلبية على النمو الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة أن تركز على معالجة الأسباب الجذرية للتضخم، مثل تحسين سلاسل الإمداد، وتقليل القيود الجمركية، وتحفيز الإنتاج المحلي من خلال تعزيز التنافسية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ختامًا: إن التضخم الأمريكي الذي تجاوز هدف الاحتياطي الفيدرالي يمثل تحديًا مركبًا، ويعكس التأثيرات الناتجة عن سياسات تجارية متقلبة وسلاسل توريد غير مستقرة.
وبينما يسعى الفيدرالي للسيطرة على التضخم، فإن رفع أسعار الفائدة بشكل مفاجئ قد لا يكون الخيار الأمثل في ظل الدين العام المرتفع والتعقيدات الاقتصادية الحالية.
إن تبني سياسة نقدية تدريجية مع التركيز على معالجة الأسباب الجذرية للتضخم يمكن أن يكون السبيل الأفضل للحفاظ على استقرار الاقتصاد الأمريكي دون التسبب في صدمة اقتصادية.
Short Url
«ناقوس الخطر يدق»، الرسوم الجمركية الأمريكية تضرب أسواق المعادن
03 أبريل 2025 06:56 م
السعودية نحو المستقبل، استثمارات ضخمة وتحولات جذرية بقطاع النقل والخدمات اللوجستية
03 أبريل 2025 05:41 م
«38.1%» هل ينجح البنك المركزي التركي في السيطرة على التضخم؟
03 أبريل 2025 05:38 م


أكثر الكلمات انتشاراً