كندا والمكسيك في مواجهة الحمائية الأمريكية، من يدفع الثمن؟
السبت، 29 مارس 2025 01:57 م

الاقتصاد العالمي
تحليل/ عبد الرحمن عيسى
شهد الاقتصاد العالمي في الآونة الأخيرة تغيرات هائلة نتيجة لتبني الحكومة الأمريكية لسياسات تجارية حمائية، كان أبرزها فرض رسوم جمركية على وارداتها من العديد من الدول، بما في ذلك جيرانها المباشرين كندا والمكسيك.
وقد أثارت هذه السياسات ردود فعل متباينة من قبل الدول المعنية والشعب، مما أدى إلى تصاعد التوترات الاقتصادية والسياسية.
يهدف هذا التحليل إلى تبيان تأثير السياسات الحمائية على الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات الأخرى، بالإضافة إلى مناقشة الجوانب المختلفة للتجارة الحرة والتحديات التي تطرأ على الاقتصاد العالمي.

أسباب تبني السياسات الحمائية في الولايات المتحدة
تعكس السياسات الحمائية التي تتبناها الإدارة الأمريكية مسعىً لحماية الصناعات المحلية من المنافسة الخارجية، ومن أبرز هذه السياسات فرض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، وهو ما يتعارض مع مبدأ التجارة الحرة التي تعزز التبادل التجاري بين الدول.
وفي هذا السياق، أظهرت الإدارة الأمريكية توجهًا تصعيديًا تجاه فرض قيود على الواردات من الدول الحليفة مثل كندا والمكسيك.
هذه السياسات، التي يرى الكثير من الخبراء أنها تتسم بالعدائية، تهدف إلى تحقيق أهداف متعددة تشمل تقليل العجز التجاري وزيادة فرص العمل المحلية.
ولكن، في الواقع، تؤدي مثل هذه الإجراءات إلى زيادة التوترات بين الدول وتقليل التعاون الاقتصادي بين الحلفاء التقليديين.
الآثار الاقتصادية على كندا والمكسيك
بدأت آثار هذه السياسات تظهر بشكل ملحوظ في كندا، الجارة الشمالية للولايات المتحدة، التي أصبحت على مفترق طرق في التعامل مع تصعيد التوترات التجارية.
وفي ظل تهديدات الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 25% على السلع الكندية، بدأت كندا تتخذ خطوات مضادة.
من جانبها، أكدت الحكومة الكندية أنها سترد بشكل سريع وقوي على هذه السياسات. ومع تزايد الضغوط، بدأت ردود الفعل الشعبية في كندا والمكسيك في الظهور، حيث شهدت البلدان انخفاضًا في السفر إلى الولايات المتحدة وارتفاعًا في مشاعر الاستياء من السياسات الأمريكية.
ومن جهة أخرى، يمكن أن تؤثر هذه الرسوم الجمركية على أسعار الغاز في الولايات المتحدة، حيث تعد كندا من أبرز موردي النفط إلى أمريكا.
وفي حالة فرض رسوم جمركية على النفط الكندي، قد يشهد السوق الأمريكي ارتفاعًا في أسعار الغاز، مما ينعكس سلبًا على السفر البري واستهلاك الوقود.

التأثيرات على الاقتصاد الأمريكي
بينما تسعى الولايات المتحدة إلى حماية صناعاتها المحلية من خلال فرض الرسوم الجمركية، فإن لهذه السياسات آثارًا سلبية قد تعرقل النمو الاقتصادي.
إذ قد تؤدي الرسوم الجمركية إلى زيادة الأسعار على المستهلكين الأمريكيين، ما يؤدي إلى تقليص قدرتهم الشرائية.
إضافة إلى ذلك، قد تؤدي الرسوم إلى تضييق الخيارات المتاحة للمستهلكين الأمريكيين، ما يحد من تنوع المنتجات والخدمات المتاحة في السوق المحلي.
إحدى النتائج المتوقعة من هذه السياسات هي تعزيز إنتاج النفط الأمريكي، وفي حال نجاح الولايات المتحدة في زيادة إنتاجها المحلي من النفط والغاز، فإن ذلك قد يخفف من أثر الزيادة في أسعار الغاز نتيجة الرسوم الجمركية على النفط الكندي، لكن هذا التحول يحتاج إلى وقت طويل، ما يجعل تأثير السياسات الحمائية على المدى القصير أكثر وضوحًا.
التجارة الحرة مقابل السياسات الحمائية
من الناحية الاقتصادية، ينظر إلى التجارة الحرة باعتبارها المصدر الأساسي لزيادة النمو الاقتصادي على مستوى الدول.
إذ تعزز التجارة الحرة من الإنتاجية وتسمح بتوسيع نطاق الاستهلاك. ومع ذلك، تشهد العديد من الحكومات، بما في ذلك الولايات المتحدة، زيادة في دعم السياسات الحمائية في ظل ظروف اقتصادية غير مستقرة.
من جهة أخرى، يرى المؤيدون للسياسات الحمائية أن دعم الإنتاج المحلي هو أمر ضروري للحفاظ على الأمن القومي، وتقوية اليد العاملة المحلية، وحماية البيئة.
إلا أن هذه السياسات قد تؤدي إلى أضرار طويلة المدى، مثل تقليص التقدم التكنولوجي المحلي في بعض القطاعات، كما حدث في بعض الدول التي فرضت قوانين لحماية الإنتاج المحلي ضد الأجهزة المستوردة، فكانت النتيجة أن التقدم التكنولوجي للمصانع المحلية قد تراجع.
التوظيف والبطالة في ظل السياسات الحمائية
من أبرز دوافع السياسات الحمائية هي الحماية من البطالة وتقليل العجز التجاري. فبفرض رسوم جمركية على السلع المستوردة، يزيد الطلب على المنتجات المحلية، مما يؤدي إلى زيادة التوظيف في الصناعات المحلية.
ولكن تحليلات الاقتصاد الكلي تبين أن هذه السياسة قد تكون غير فعالة على المدى الطويل. إذ يمكن للحكومات استخدام سياسات نقدية ومالية بديلة لتقليل البطالة، مثل تقليل معدلات الفائدة، وتحفيز الاستثمار في قطاعات إنتاجية عالية، وتعزيز الكفاءات التكنولوجية.

التحديات الناجمة عن الحماية التجارية
في سياق الحماية التجارية، من المهم ملاحظة أن الدول تتفاوت في قدراتها التنافسية والميزات النسبية، وبالتالي، قد يؤدي فرض رسوم جمركية على المنتجات المستوردة إلى رفع الأسعار بشكل غير مرغوب فيه، مما يعزز ضعف الاقتصاد ويزيد من الضعف التجاري، وهذا يثير سؤالًا حول ما إذا كانت الحماية هي المسار الأفضل للاقتصادات المتقدمة في العصر الحالي.
في المقابل، يرى العديد من المحللين أن الحماية الاقتصادية يجب أن تكون محدودة في الزمن، وألا تتعدى حماية الصناعات الوليدة أو القطاعات التي تحتاج إلى الدعم المؤقت قبل أن تتمكن من اكتساب ميزة نسبية طويلة الأجل في السوق العالمي.
ختامًا: يتضح من التحليل أن هناك صراعًا مستمرًا بين فوائد التجارة الحرة والسياسات الحمائية، التي تتبناها بعض الحكومات في فترات ضعف النمو الاقتصادي.
بينما يمكن أن تقدم السياسات الحمائية دعمًا للقطاعات المحلية في الأوقات العصيبة، إلا أن هناك حاجة إلى توازن بين حماية الصناعات المحلية وتشجيع التجارة الحرة لتفادي الأضرار الاقتصادية التي قد تنتج عن الإجراءات الحمائية المفرطة.
وبالتالي، لا بد من تركيز السياسات الاقتصادية على حماية مؤقتة للصناعات الوليدة مع العمل على تعزيز مزايا تنافسية مستدامة على المدى الطويل.
Short Url
أسواق النفط تتجاهل تهديدات ترامب على النفط الروسي، هل انتهى تأثير العقوبات؟
31 مارس 2025 12:21 م
من «دولي إلى البشر»، هل أصبح الاستنساخ على وشك أن يصبح واقعًا؟ (تقرير)
30 مارس 2025 05:00 م
تريليون ريال خسائر سوق الأسهم السعودية في 3 أشهر، ماذا يحدث في تداول؟
30 مارس 2025 03:54 م


أكثر الكلمات انتشاراً