«موجة التضخم» هل تنجح سياسات البنوك المركزية في كبح جماح الأسعار؟
السبت، 29 مارس 2025 12:14 م

التضخم المصري
تحليل/ عبد الرحمن عيسى
شهد العالم في الأعوام الثلاثة الماضية موجة تضخم قوية، نشأت بعد اضطراب اقتصادي هائل تمثل في جائحة كورونا.
تسببت هذه الجائحة في تغييرات كبيرة في سلوك المستهلكين والسياسات الاقتصادية العالمية، مما أدى إلى تفاعلات معقدة بين السياسات النقدية وقطاع الأعمال، ما نتج عنه العديد من التحديات الاقتصادية، مثل زيادة الأسعار والتأثيرات السلبية على البنوك والشركات.
يهدف هذا التحليل إلى تبيان الأسباب الجذرية لهذه الموجة التضخمية، وتقييم سياسات البنوك المركزية في مكافحة التضخم، وكذلك تسليط الضوء على التحديات الاقتصادية الناتجة عن التضخم في السياق العالمي.

أسباب موجة التضخم بعد جائحة كورونا
أدى تفشي جائحة كورونا إلى تغيير جذري في الأنماط الاستهلاكية العالمية، كما كانت الإجراءات الوقائية التي شملت التباعد الاجتماعي والإغلاق العام عوامل رئيسية أسهمت في تراجع الطلب على الخدمات العامة وتزايد الطلب على السلع الاستهلاكية.
وفي ذات الوقت، شهدت السياسات النقدية في العديد من البلدان توسعًا ماليًا قويًا، حيث لجأت الحكومات والبنوك المركزية إلى ضخ السيولة في الأسواق لتحفيز الاقتصاد.
كانت هذه السياسات ضرورية لدعم النمو في ظل التباطؤ الكبير الناتج عن الجائحة، ولكنها أيضًا ساهمت في زيادة الطلب الاستهلاكي بسرعة تفوق قدرة العرض على التكيف، مما أدى إلى نشوء فجوة بين العرض والطلب ورفع الأسعار بشكل ملحوظ.
العلاقة بين التضخم والأجور
أدى التضخم إلى زيادة الضغوط على الشركات لرفع أجور الموظفين، ولكن من الملاحظ أن ارتفاع الأجور لم يكن بنفس السرعة التي ارتفعت بها الأسعار.
يؤدي هذا التفاوت بين ارتفاع الأسعار وارتفاع الأجور إلى تقليل القوة الشرائية للأفراد، ما يفاقم من مشكلة التضخم ويزيد من مشاعر الاستياء الاجتماعي.
إضافة إلى ذلك، غالبًا ما يرتبط التضخم بانكماش في الأنشطة الاقتصادية الأخرى، حيث تتراجع مستويات الإنتاجية ويعاني قطاع الأعمال من ضعف في دورة الأعمال، وفي ظل هذا الوضع، يزداد التحدي الاقتصادي بزيادة البطالة نتيجة لانخفاض الإنتاجية وضعف النمو الاقتصادي.
التوسع النقدي وتأثيره على الأسعار
يعتبر النمو في العرض النقدي أحد العوامل الرئيسة المؤدية لارتفاع الأسعار، حيث يحدث التضخم عندما يتجاوز النمو في العرض النقدي قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاجية.
وفي حالات معينة، مثل التباطؤ الاقتصادي أو الركود، يمكن أن يظل العرض النقدي في ازدياد بينما يبقى النشاط الإنتاجي منخفضًا، مما يؤدي إلى رفع الأسعار حتى في غياب زيادة واضحة في العرض النقدي.
كما تعتبر هذه الزيادة في الأسعار أكثر وضوحًا في البلدان ذات الإنتاجية المنخفضة، حيث تكون القدرة على زيادة الإنتاجية محدودة.

التأثيرات الجيوسياسية على التضخم
لم تقتصر تداعيات الأزمة الاقتصادية على جائحة كورونا فقط، بل تزايدت مع اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث أدى النزاع العسكري إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، ما تسبب في ارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة، وهو ما زاد من مستويات التضخم في العديد من البلدان.
فقد ارتفعت أسعار السلع الأولية بشكل غير مسبوق، وهو ما ساهم في جعل معدلات التضخم العالمية في أعلى مستوياتها خلال الأربعين عامًا الماضية.
سياسات البنوك المركزية في مكافحة التضخم
في محاولة للحد من التضخم، قامت البنوك المركزية في العديد من الدول الكبرى، وخاصة الفيدرالي الأمريكي، برفع معدلات الفائدة.
كان الهدف من هذه السياسات هو تقليل التضخم عبر تقليص الطلب على الائتمان والإنفاق، ومع ذلك، واجهت هذه السياسات تحديات كبيرة، حيث كانت الاقتصادات العالمية ليست مهيأة للاستفادة من ارتفاع معدلات الفائدة.
العديد من البنوك واجهت صعوبات جمة نتيجة الأزمات السابقة، ما جعل رفع الفائدة ليس فعالًا كما كان مأمولًا، كما إن البنوك التي عانت من مشاكل مالية نتيجة فترات خفض الفائدة لم تتمكن من تحقيق استقرار أرباحها أو توفير الائتمان بسهولة.
التأثيرات السلبية على استقرار القطاع المالي
تشير الدراسات الصادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن البنوك غالبًا ما تكون معزولة عن تأثيرات التضخم بسبب توازن الآثار السلبية للتضخم على الإيرادات والمصروفات.
وفي الوقت ذاته، أظهرت الدراسات أن العديد من البنوك تعاني من تداعيات التضخم بشكل واضح، مما يزيد من مخاطر عدم الاستقرار المالي، وهذه التداعيات يمكن أن تقود إلى أزمات في القطاع المالي وتزيد من عدم اليقين الاقتصادي.
_1773_074551.jpg)
دور الاستقرار المالي في السياسات النقدية
مع استمرار ارتفاع التضخم، بدأ العديد من البنوك المركزية في إعادة تقييم سياساتها النقدية، حيث أصبحت الحاجة إلى أخذ الاستقرار المالي بعين الاعتبار أمرًا بالغ الأهمية.
كما بينت الدراسات أن السياسات النقدية التي تركز على مكافحة التضخم قد تؤدي إلى تقليص أرباح البنوك، ما قد يشكل خطرًا على استقرار النظام المالي، وبالتالي، كان من الضروري إيجاد توازن بين مكافحة التضخم والحفاظ على الاستقرار المالي.
التحديات المترتبة على الدين العام
في ظل التضخم المستمر، تشكل الديون العامة عبئًا إضافيًا على الاقتصاد العالمي، وخاصة في الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية.
كما تتطلب معالجة التضخم خفض الدين العام أو تشديد القيود على الحكومة فيما يتعلق بالإنفاق، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا في ظل الأزمات الاقتصادية.
وتستمر المناقشات حول كيفية تقليل العجز المالي دون التأثير سلبًا على النمو الاقتصادي، في الوقت الذي يطالب فيه البعض بفرض قيود أكبر على الاستدانة الحكومية للحد من التضخم.
ختامًا: إن مواجهة تحديات التضخم في الاقتصاد العالمي بعد جائحة كورونا يتطلب استراتيجيات مالية ونقدية مدروسة بعناية، بينما تسعى البنوك المركزية لمكافحة التضخم من خلال رفع معدلات الفائدة، فإن هذه السياسات تأتي بتحديات إضافية تتعلق بالاستقرار المالي للقطاع المصرفي.
وعلى الرغم من أن رفع معدلات الفائدة قد يكون وسيلة فعالة في تقليص التضخم، إلا أن هناك أيضًا مخاطر تتعلق بتقليل الأرباح المصرفية وزيادة عدم الاستقرار المالي، وفي هذا السياق، يبدو أن الاستقرار المالي يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من أي استراتيجية نقدية لمكافحة التضخم في المستقبل القريب.
Short Url
أسواق النفط تتجاهل تهديدات ترامب على النفط الروسي، هل انتهى تأثير العقوبات؟
31 مارس 2025 12:21 م
من «دولي إلى البشر»، هل أصبح الاستنساخ على وشك أن يصبح واقعًا؟ (تقرير)
30 مارس 2025 05:00 م
تريليون ريال خسائر سوق الأسهم السعودية في 3 أشهر، ماذا يحدث في تداول؟
30 مارس 2025 03:54 م


أكثر الكلمات انتشاراً