القطب الشمالي، ساحة صراع اقتصادي تُعيد تشكيل خارطة النفوذ العالمي
الأربعاء، 02 أبريل 2025 10:29 ص

القطب الشمالي
كتب/كريم قنديل
لم يعد القطب الشمالي مجرد امتداد جغرافي متجمد في أقصى الأرض، بل تحول إلى مسرح جديد لصراع القوى العظمى، حيث تختلط السياسة بالاقتصاد في سباق محموم للسيطرة على ثروات طبيعية قد تعيد رسم خارطة النفوذ العالمي.

ذوبان الجليد.. كشف الكنز المخفي
مع تسارع التغير المناخي وذوبان الجليد في القطب الشمالي، ظهرت فرص اقتصادية لم تكن ممكنة قبل عقود، الأرقام وحدها كفيلة بإثارة شهية الدول الكبرى؛ فبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، يحتوي القطب الشمالي على 90 مليار برميل من النفط و1670 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، أي ما يعادل 13% من احتياطيات النفط غير المكتشفة و30% من احتياطيات الغاز غير المكتشفة عالميًا.
إلى جانب ذلك، تخفي أراضي جزيرة غرينلاند كنوزًا من المعادن الاستراتيجية مثل الليثيوم، النيكل، الكوبالت، واليورانيوم، وهي معادن ضرورية للصناعات العسكرية والتكنولوجية المتقدمة.
من يفرض سيطرته؟ سباق الهيمنة الاقتصادية
في غياب سيادة مطلقة لدولة واحدة على القطب الشمالي، تخوض خمس دول رئيسية مطلة على المنطقة تتمثل في روسيا، كندا، النرويج، الدنمارك (عبر غرينلاند) والولايات المتحدة سباقًا محمومًا لترسيخ نفوذها، لكن المشهد لا يقتصر على هذه الدول، فالصين، التي لا تمتلك أراضي هناك، أطلقت على نفسها لقب "دولة قريبة من القطب الشمالي"، وبدأت تستثمر بكثافة في مشاريع البنية التحتية والطاقة بالمنطقة، واضعةً نصب أعينها طريقًا جديدًا ضمن مشروع "طريق الحرير القطبي" لربط آسيا بأوروبا وأمريكا الشمالية عبر ممرات شحن بحرية جديدة.
_1787_093439.jpg)
روسيا.. اللاعب الأقوى حتى الآن
استثمرت روسيا مبكرًا في القطب الشمالي، حيث تسيطر على ما بين 50% إلى 60% من إجمالي الاستثمارات هناك، وتمتلك أكبر أسطول عالمي من كاسحات الجليد النووية التي تتيح لها التنقل بحرية، كما أطلقت مشاريع طموحة، أبرزها مشروع "فوستوك" النفطي الذي اكتشفت فيه ما يزيد عن 50 مليار برميل من النفط و1300 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ومشروع Arctic LNG 2، الذي سيعزز طاقتها الإنتاجية والتصديرية إلى 100 مليون طن من الغاز السائل بحلول 2033.
غرينلاند.. مفتاح النفوذ الأمريكي
من جانبها، تحاول الولايات المتحدة تعزيز وجودها في القطب الشمالي، مع تزايد التكهنات حول رغبتها في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، التي تحتوي على 43 معدنًا مصنفًا ضمن قائمة المعادن الاستراتيجية الأميركية، وتبلغ احتياطيات غرينلاند من المعادن النادرة 42 مليون طن، أي ما يفوق بـ120 مرة إجمالي ما تم استخراجه عالميًا في عام 2023، ما يجعلها ورقة رابحة في الصراع الاقتصادي.

الممرات البحرية.. شرايين التجارة الجديدة
أدى انحسار الجليد الصيفي في القطب الشمالي بنسبة 17% بين عامي 2013 و2019، إلى زيادة حركة الشحن بنسبة 75%، ما أعاد رسم خارطة التجارة العالمية، بات هناك ثلاثة ممرات رئيسية تهدد الهيمنة التقليدية لقناة السويس والممرات الملاحية الأخرى:
طريق البحر الشمالي (NSR): تسيطر عليه روسيا ويمر بمحاذاة سواحلها.
الممر الشمالي الغربي (NWP): يمر عبر أرخبيل القطب الشمالي الكندي.
طريق البحر عبر القطب الشمالي (TSR): يمتد مباشرة عبر مركز القطب الشمالي.
هذه الممرات توفر مسارات أقصر بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية، ما قد يُحدث ثورة في قطاع الشحن العالمي.
التحديات والعوائق.. ليس كل ما يلمع ذهبًا
رغم الفرص الواعدة، فإن استغلال ثروات القطب الشمالي يواجه تحديات كبرى، أبرزها التكلفة الباهظة للتنقيب في بيئة قاسية، حيث العزلة الشديدة، ودرجات الحرارة المتجمدة، وظروف الطقس غير المتوقعة، كما أن المخاوف البيئية تعرقل بعض المشاريع، خاصة مع تنامي الدعوات العالمية للحد من انبعاثات الكربون وحماية النظم البيئية الهشة.

الاقتصاد العالمي على أعتاب عصر جديد
بغض النظر عن التحديات، فإن القطب الشمالي قد يصبح ركيزة رئيسية في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، فمن ينجح في تأمين موطئ قدم قوي هناك، سيكون في طليعة اللاعبين الاقتصاديين في المستقبل، بين استثمارات بمليارات الدولارات وصراعات نفوذ متزايدة، يبدو أن القطب الشمالي لم يعد مجرد منطقة جليدية مهجورة، بل بات نقطة تحول حاسمة في موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.
Short Url
وكالة الفضاء تستعد لإطلاق القمر الصناعي "سبينكس" لدراسة التغيرات المناخية
03 أبريل 2025 10:06 ص
الصمغ العربي في الطب البديل، فوائد صحية واستخدامات طبيعية
02 أبريل 2025 08:37 م
«تقلبات وأزمات» كيف تواجه أسواق الطاقة العالمية تحديات 2025؟
02 أبريل 2025 07:32 م


أكثر الكلمات انتشاراً