من حفارة في الصحراء الإيرانية إلى قمة الطاقة العالمية، رحلة بي بي البريطانية عبر العقود
الأربعاء، 02 أبريل 2025 11:21 ص

شركة بي بي البريطانية
تبدأ قصة شركة النفط الأنجلو-فارسية (AIOC) "بي بي" في الصحراء الإيرانية، حيث قاد المستثمر البريطاني وليام نوكس دارسي مغامرة محفوفة بالمخاطر لاكتشاف النفط، وفي مايو من عام 1908، وبعد سنوات من البحث المكثف والنفقات الهائلة التي كادت تؤدي إلى إفلاسه، تفجر النفط من بئر في منطقة مسجد سليمان، مُعلناً بداية عصر جديد من الثروات.
وتأسست AIOC رسمياً في 14 أبريل 1909، بدعم من الحكومة البريطانية التي أدركت أهمية النفط في تحول العالم من الفحم إلى الوقود السائل، وقد أسست الشركة مصفاة في عبادان عام 1912، وهي الأكبر في العالم آنذاك، وبدأت تصدير النفط إلى الأسواق العالمية.
أهمية الشركة في الحرب العالمية الأولى
وخلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، لعبت الشركة دوراً حيوياً في تزويد البحرية الملكية البريطانية بالوقود، مما أكسبها الدعم الحكومي والاعتراف الإستراتيجي، ومع نهاية الحرب، انتقلت الشركة إلى مرحلة توسع طموحة، تحت قيادة السير جون كادمان، حيث قامت ببناء شبكة توزيع متكاملة في أوروبا.
وفي عام 1935، تغير اسم الشركة إلى "شركة النفط الإنجليزية الإيرانية" (AIOC)، تماشياً مع تحول اسم إيران من "فارس"، وخلال هذه الفترة، استثمرت الشركة في بنية تحتية مهمة في إيران، موفرة مستشفيات ومدارس لموظفيها، مما ساهم في خلق مدن نفطية مزدهرة.
_1778_035049.jpg)
الحرب العالمية الثانية
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان نفط إيران حيوياً لقوات الحلفاء، واستمرت AIOC في تطوير تقنيات جديدة لتحسين الإنتاج والكفاءة، ومع نهاية الأربعينيات، كانت الشركة تسيطر على واحدة من أكبر عمليات النفط في العالم، لكن التوترات مع الحكومة الإيرانية بدأت تتصاعد بشأن توزيع الأرباح والسيادة على الموارد الطبيعية.
وفي الخمسينيات، تزايدت الضغوط مع توجه الحكومة الإيرانية، بقيادة محمد مصدق، نحو تأميم صناعة النفط، وفي عام 1951، أصدرت الحكومة قانوناً يؤمم صادرات النفط، ما أثار أزمة دبلوماسية حادة، وردت الحكومة البريطانية بدعم خطة لانقلاب ضد مصدق، والذي تحقق في صيف عام 1953، مما أعاد السيطرة للغرب على صناعة النفط.
ولكن هذه السيطرة لم تدم طويلاً، حيث كانت المشاعر القومية تتصاعد في إيران، ما أدى إلى صراعات جديدة حول حقوق السيادة واستغلال الموارد، ومع اندلاع الثورة الإيرانية في عام 1979، تم تأميم جميع شركات النفط، بما في ذلك AIOC، ما أنهى حقبة طويلة من السيطرة الأجنبية.
ولقد شكلت رحلة شركة النفط الأنجلو-فارسية، من شراكة استراتيجية إلى صراع مرير على السيطرة، تحولاً جذرياً في تاريخ الصناعة النفطية والسياسات الدولية، آثارها ما زالت تتردد حتى اليوم.
_1778_035021.jpg)
رحلة من السيطرة النفطية إلى التحديات البيئية والتحول نحو الاستدامة
وفي لحظة فارقة من تاريخ صناعة النفط العالمية، اتخذ رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في مارس 1951 قراراً جريئاً بتأميم أصول شركة النفط الأنجلو-فارسية (AIOC)، ما أطلق أزمة دولية كبرى بين إيران وبريطانيا، وكان هذا القرار بمثابة زلزال أثر في هيكل الشركة وأدى إلى فرض بريطانيا حصاراً اقتصادياً على إيران، مما تسبب في انهيار اقتصادي للبلاد.
تغير الاسم إلى بي بي
وفي عام 1953، وبدعم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والاستخبارات البريطانية، تم الإطاحة بمصدق، حيث أعيد الشاه محمد رضا بهلوي إلى السلطة، وبعدها تم التوصل إلى اتفاق عام 1954 أدّى إلى تأسيس "اتحاد النفط الإيراني"، ما أعطى الشركة (التي أعيد تسميتها إلى "شركة النفط البريطانية" أو BP) حصة كبيرة لكنها فقدت السيطرة الكاملة على النفط الإيراني.
ورافق هذا التحول قسري بي. بي إلى إعادة تقييم استراتيجيتها والبحث عن مصادر نفط جديدة، وفي الستينيات، حققت الشركة اكتشافات هامة في ليبيا، ثم في بحر الشمال وألاسكا، ما ساعدها على تنويع مصادر إنتاجها وتقليل اعتمادها على منطقة الشرق الأوسط المضطربة.
ومع بداية السبعينيات، واجهت بي بي تحديات جديدة عندما تمت مصادرة أصولها في العراق في عام 1972 وأزمة النفط العالمية عام 1973 نتيجة حرب أكتوبر، والتي أدت إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ورغم هذه التحديات، استطاعت الشركة تحويلها إلى فرص من خلال تطوير حقول النفط العملاقة التي اكتشفتها في بردو باي بألاسكا وفورتيز في بحر الشمال.
وبحلول عام 1978، بدأت بي بي الإنتاج من خط أنابيب ترانس ألاسكا، الذي أصبح رمزاً لقدرة الشركة على التكيف مع الظروف المعقدة والتحديات البيئية.
_1778_034943.jpg)
تحويل الشركة إلى قطاع خاص
وشهدت الثمانينيات تحولات كبيرة أيضاً، حيث خفّضت الحكومة البريطانية تدريجياً حصتها في بي. بي حتى بع بيعها بالكامل في عام 1987، ما حول الشركة إلى كيان خاص، خلال هذه الفترة توسعت الشركة في قطاع الكيماويات والغاز الطبيعي.
وفي التسعينيات، تحت قيادة السير جون براون، أدت استراتيجية العولمة إلى اندماج تاريخي بين بي. بي وشركة أموكو الأمريكية عام 1998، تبعه استحواذ على شركة أركو الأمريكية في عام 2000، ما عزز من موقف بي. بي كواحدة من أكبر شركات النفط في العالم.
ولكن الرئيس التنفيذي الجديد بوب دادلي واجه تحدياً كبيراً بعد كارثة انفجار منصة "ديب ووتر هورايزون" في إبريل 2010، أسفرت الكارثة عن تسرب 4.9 مليون برميل من النفط، ما أدى إلى أضرار بيئية فادحة وخسائر اقتصادية جسيمة، واضطرت الشركة لدفع أكثر من 65 مليار دولار كتعويضات، ما أثّر سلباً على سمعتها في السوق.
واستجابةً لهذه الكارثة، بدأت بي. بي بتنفيذ تغييرات هيكلية جذرية في إدارتها، بما في ذلك تحسين إجراءات السلامة وتدريب الموظفين، كما اتجهت الشركة نحو التحول إلى مصادر طاقة أكثر استدامة، تماشياً مع الاتجاه العالمي نحو الطاقة النظيفة والمستدامة.
وتسعى بي. بي اليوم لإعادة اختراع نفسها في عصر تغير المناخ، متبنيةً استراتيجيات تسويقية ذكية تعكس التزامها بالاستدامة البيئية، محاولاً تجاوز الإرث المليء بالصراعات والتحديات البيئية التي واجهتها على مر السنين.
_1778_034932.jpg)
دعم اتفاقية باريس للمناخ
وفي عام 2015، اعتمدت شركة بي. بي مبدأ دعم اتفاقية باريس للمناخ، مُبشرة ببدء تحولها نحو الطاقة المتجددة، ومع تولي برنارد لوني منصب الرئيس التنفيذي عام 2020، أطلقت الشركة استراتيجية طموحة تهدف لتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، وتتضمن الاستراتيجية خطة لخفض إنتاج النفط والغاز بنسبة 40% بحلول عام 2030 وزيادة استثمارات الطاقة المتجددة من 500 مليون دولار سنوياً إلى 5 مليارات دولار سنوياً.
واستحوذت بي. بي على شركات رائدة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وبدأت في تطوير تقنيات احتجاز الكربون والهيدروجين منخفض الكربون، ولكن هذا التحول لا يخلو من الشكوك، فالعديد من النشطاء البيئيين والمستثمرين لا يزالون متحفظين بشأن مدى جدية بي. بي في تحقيق هذه الأهداف، لا سيما مع استمرارها في الاستثمار في التنقيب عن النفط والغاز.
وتواجه الشركة اليوم تحدياً مزدوجاً؛ يتطلب منها الحفاظ على ربحيتها الحالية من أعمالها التقليدية في النفط والغاز، وفي نفس الوقت، ضخ استثمارات كبيرة في مستقبل منخفض الكربون، وهو مستقبل لا يزال غير مؤكد، وتعكس هذه المعادلة الصعبة التحديات التي تواجهها صناعة الطاقة العالمية بشكل عام في ظل تغير المناخ.
_1778_034921.jpg)
موقع بي. بي اليوم
وفي الوقت الراهن، تقف بي. بي على مفترق طرق تاريخي، وبعد أكثر من قرن من الهيمنة في صناعة النفط، تسعى الشركة لإعادة تعريف نفسها في عالم الطاقة المتغيرة، تمتد عمليات الشركة في أكثر من 70 دولة، وتوظف ما يقرب من 70,000 شخص، مع تحقيق إيرادات سنوية تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.
وتمتلك الشركة محفظة متنوعة من الأصول تشمل:
- عمليات التنقيب والإنتاج للنفط والغاز في خمس قارات.
- شبكة واسعة من المصافي ومحطات الوقود تحت علاماتها التجارية المختلفة.
وخلال السنوات الأخيرة، تبنّت بي. بي استراتيجية تأخذ بعين الاعتبار مستقبل الطاقة الذي سيكون "منخفض الكربون، متعدد المصادر، وإلكتروني"، وقد أعادت هيكلة أقسامها لتعكس هذا التوجه الجديد، مركزة على ثلاثة محاور رئيسية: "الغاز والطاقة المنخفضة الكربون"، "التنقيب والإنتاج"، و"التكرير والبتروكيماويات".
_1778_034848.jpg)
التحديات والفرص
وعلى الرغم من التقدم المحرز، تظل الشركة تحت انتقادات متزايدة من عدة جهات، النشطاء البيئيون يعتبرون أن جهود بي. بي ليست كافية لمواجهة أزمة المناخ، بينما يتخوف بعض المستثمرين من أن التحول السريع قد يأتي على حساب الأرباح، ويضاف إلى ذلك المنافسة الشرسة التي تواجهها من شركات النفط التقليدية ومن الشركات الناشئة التي تتخصص في الطاقة المتجددة.
ورغم هذه التحديات، تتمتع بي. بي بميزات تنافسية تمثل نقاط قوتها، مثل الخبرة الفنية المتراكمة على مدار أكثر من قرن، والقدرة الهائلة على تنفيذ مشاريع ضخمة ومعقدة، إلى جانب بنيتها التحتية العالمية ومواردها المالية الكبيرة، هذه الأصول قد تساهم في نجاحها في التحول، كما نجحت في الماضي في التكيف مع التغييرات الجذرية في السوق.
_1778_034835.jpg)
استثمارات شركة بي بي البريطانية في مصر
وتمتلك الشركة عدة امتيازات في حقول: «تورس وليبرا وفيوم وجيزة وريفين»، ويبلغ احتياطي حقل ريفين 220 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي و7 ملايين برميل من المكثفات "النفط الخفيف"، بحسب بيان الشركة.
وأعلنت الشركة بدء الإنتاج من المرحلة الثانية لمشروع تنمية آبار ريفين للغاز في مصر والذي يتضمن ربط آبار بحرية إضافية بالتسهيلات المقامة في محطة ريفين البرية التابعة لمشروع غرب دلتا النيل، وتملك "بي.بي" المشغل للمشروع حصة قدرها 82.75%، بينما تمتلك شركة هاربور إنرجي حصة 17.25%.
Short Url
بـ650 مليون دولار، "قطاع الأعمال" تتابع مستجدات مشروع المحطة الشمسية بمصر للألومنيوم
02 أبريل 2025 06:16 م
فلوسك نايمة في البنك؟ استثمرها في صناديق الاستثمار وضاعف أرباحك
02 أبريل 2025 06:02 م
هل تصبح الفضة الملاذ الآمن للاستثمار؟ خبير مالي يجيب
02 أبريل 2025 05:36 م


أكثر الكلمات انتشاراً