الأربعاء، 26 فبراير 2025

06:05 م

منصة "هوج بول".. الاستيلاء على 6 مليارات جنيه وأصحابها في قبضة الأمن

الأربعاء، 26 فبراير 2025 02:20 م

الاحتيال الإلكتروني

الاحتيال الإلكتروني

كتب/كريم قنديل

في السنوات الأخيرة، تكررت وقائع النصب والاستيلاء على أموال المواطنين من خلال مخططات استثمار وهمية تُغري الضحايا بأرباح خيالية، وكان أحدث هذه المخططات، منصة "هوج بول"، التي استطاعت خلال ستة أشهر فقط الاستيلاء على نحو 6 مليارات جنيه، عبر إيهام الضحايا بأنها منصة لتعدين العملات الرقمية تتيح لهم تحقيق أرباح يومية ثابتة. 

ولكن كما هو الحال مع كافة مخططات الاحتيال، انتهت القصة بخسائر فادحة للمستثمرين، بينما اختفى القائمون على المنصة، ولم يبقَ سوى قصص الضحايا وتحقيقات الأجهزة الأمنية.

الاحتيال الإلكتروني

بداية القصة.. كيف أقنعت "هوج بول" المصريين بالاستثمار؟

بدأت "هوج بول" عملها في أغسطس 2022، واستغلت انتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى عدد كبير من المستخدمين. 

واستخدمت المنصة طرقًا دعائية احترافية، حيث اعتمدت على حملات إعلانية عبر "فيسبوك" و"واتساب"، وعرضت شهادات لأشخاص يحققون أرباحًا ضخمة يوميًا، مما حفّز الآلاف على تجربة "الفرصة الذهبية".

كانت المنصة تعتمد على فكرة بسيطة لكنها مغرية: قم بإيداع مبلغ مالي وستحصل على عائد يومي ثابت، وكلما زادت قيمة الإيداع، زادت الأرباح. 

ولمزيد من الإقناع، حرص القائمون على "هوج بول" على دفع أرباح فعلية للمستثمرين في البداية، مما عزز ثقتهم، ودفعهم لضخ المزيد من الأموال، بل وإقناع معارفهم بالاستثمار في المنصة.

"6 شهور لكسب الثقة".. كيف تم تنفيذ أكبر عملية احتيال رقمي؟

اعتمدت "هوج بول" على أسلوب "بناء الثقة التدريجي". في البداية، كانت المنصة تدفع للمستثمرين أرباحًا حقيقية، مما جعل البعض يعتبرها فرصة حقيقية لتحقيق مكاسب غير مسبوقة

وخلال هذه الفترة، بدأت المنصة في توسيع قاعدة عملائها عبر الإعلان عن "خطط استثمارية جديدة"، مثل "صناديق الاستثمار" التي تتطلب إيداعات أكبر مقابل أرباح أعلى.

ورغم بعض التحذيرات التي بدأت تظهر حول طبيعة عمل المنصة، إلا أن نجاحها الأولي دفع العديد من الأشخاص إلى زيادة استثماراتهم، حتى جاءت اللحظة الحاسمة: توقفت المنصة عن دفع الأرباح، ثم أُغلقت تمامًا، واختفت أموال المستثمرين معها.

النصب الإلكتروني

قصص الضحايا.. أحلام تبخرت وأموال ضاعت

وراء هذه العملية الاحتيالية، هناك مئات القصص المؤلمة لأشخاص فقدوا كل مدخراتهم.

يقول "حامد فؤاد"، أحد الضحايا: "أنا عامل بسيط، لما شفت ناس كتير حواليّ بيكسبوا، قلت أجرب، بعت دهب أمي وحطيت 16 ألف جنيه في التطبيق. في الأول كنت بسحب 700 جنيه يوميًا، لحد ما أعلنوا عن الصندوق الاستثماري، فدخلت فيه بـ4000 جنيه، وبعدها بيومين المنصة قفلت، وخسرت كل حاجة".

أما "بلال محمد"، موظف الأمن في أحد البنوك، فقد بدأ باستثمار 6 آلاف جنيه، لكنه قرر إعادة ضخ أرباحه وزيادة المبلغ إلى 16 ألف جنيه، بعد أن شاهد زملاءه يحققون مكاسب يومية. 

ويقول: "بعد فترة قصيرة، أعلنوا عن صناديق استثمارية جديدة، فوضعت 4 آلاف جنيه إضافية، لكن بعدها بأيام، المنصة أغلقت وخسرت كل شيء".

"بونزي".. المخطط الاحتيالي الذي يتكرر عبر الزمن

ما قامت به "هوج بول" ليس جديدًا، بل هو إعادة إنتاج لمخطط "بونزي" الشهير، وهو أحد أقدم وأشهر طرق الاحتيال المالي في التاريخ. تعود القصة إلى عشرينيات القرن الماضي، عندما أقنع "تشارلز بونزي" مستثمرين بأنهم سيحصلون على أرباح ضخمة خلال فترات زمنية قصيرة، لكنه في الحقيقة كان يدفع للمستثمرين الأوائل من أموال المستثمرين الجدد، استمر المخطط حتى توقف تدفق الأموال الجديدة، مما أدى إلى انهياره وخسارة المستثمرين لكامل أموالهم.

السرقة الإلكترونية

غياب الرقابة.. هل كان يمكن منع وقوع الجريمة؟

يشير خبراء أمن المعلومات إلى أن السبب الرئيسي في نجاح مثل هذه المخططات الاحتيالية هو ضعف الرقابة على الأنشطة المالية غير الرسمية، وسهولة إنشاء منصات إلكترونية غير مرخصة.

يقول المهندس محمد سعيد، خبير أمن المعلومات: "إطلاق منصة إلكترونية لا يستغرق أكثر من يومين، لكن تسجيلها بشكل رسمي يتطلب إجراءات قانونية طويلة لضمان حقوق المستخدمين. للأسف، لا يوجد رقابة كافية تمنع انتشار مثل هذه التطبيقات الاحتيالية قبل فوات الأوان".

ويضيف: "المستخدمون أنفسهم يتحملون جزءًا من المسؤولية، لأن الكثير منهم يستثمرون أموالهم في مشاريع لا يفهمون طبيعتها الحقيقية، فقط لأنهم يبحثون عن ربح سريع".

التداعيات القانونية.. ما مصير المتهمين؟

ألقت الأجهزة الأمنية القبض على عدد من المتورطين في تشغيل "هوج بول"، ومن المتوقع أن يواجهوا تهمًا تتعلق بالنصب والاحتيال الإلكتروني، وفقًا للمادة 336 من قانون العقوبات، والتي تعاقب بالحبس كل من يستولي على أموال الغير بطرق احتيالية.

يقول يحيى عبد الله، المحامي والباحث القانوني: "القانون المصري لا يفرّق بين جريمة النصب التقليدية والنصب الإلكتروني. وعقوبة القائمين على هذه المنصة قد تصل إلى السجن، إضافة إلى إلزامهم برد الأموال التي حصلوا عليها بطرق غير مشروعة".

الاحتيال الرقمي

دروس مستفادة.. كيف نحمي أنفسنا من الاحتيال الرقمي؟

مع تزايد الجرائم الإلكترونية، يصبح الوعي المالي هو خط الدفاع الأول ضد عمليات الاحتيال. هناك بعض القواعد التي يجب على الأفراد اتباعها قبل الاستثمار في أي مشروع مالي:

  1. تأكد من الترخيص: أي منصة استثمارية يجب أن تكون مسجلة لدى الجهات المختصة، مثل هيئة الرقابة المالية.
  2. تجنب الأرباح غير المنطقية: إذا وعدك أي مشروع بعوائد مرتفعة بدون مخاطر، فهو غالبًا عملية احتيال.
  3. ابحث جيدًا قبل الاستثمار: مراجعة تجارب المستخدمين السابقين يمكن أن تكشف الكثير عن مصداقية أي منصة.
  4. لا تستثمر كل مدخراتك: تجنب المخاطرة بأموال لا يمكنك تحمل خسارتها.

تظل قصة "هوج بول" واحدة من أبرز عمليات الاحتيال الرقمي في مصر خلال السنوات الأخيرة، لكنها بالتأكيد لن تكون الأخيرة. 

وبينما تسعى الجهات الأمنية والقانونية لملاحقة المتهمين، يبقى السؤال الأهم: إلى متى سيستمر وقوع الضحايا في فخ الطمع والربح السريع؟ ربما يكون الحل الوحيد هو التوعية المستمرة بمخاطر الاستثمار غير المدروس، حتى لا يتكرر هذا السيناريو مرة أخرى.

Short Url

showcase
showcase
search